السيد صادق الموسوي

377

تمام نهج البلاغة

هؤُلَاءِ تُحْشى جَمَاجِمُهُمْ بِمِسْكِ الْجِنَانِ ، وَهؤُلَاءِ يُضْرَبُونَ بِمَقَامِعِ النّيرَانِ . هؤُلَاءِ يُعَانِقُونَ الْحُورَ فِي الْحِجَالِ ، وَهؤُلَاءِ يُطَوَّقُونَ أَطْوَاقاً فِي النّارِ بِالأَغْلَالِ . يَا مَنْ يُسَلَّمُ إِلَى الدُّودِ وَيُهْدى إلِيَهِْ ، اعْتَبِرْ بِمَا تَسْمَعُ وَتَرى ، وَقُلْ لِعَيْنِكَ تَجْفُو لَذَّةَ الْكَرى ، وَتُفيضُ الدُّمُوعَ بَعْدَ الدُّمُوعِ تَتْرى . بَيْتُكَ ، الْقَبْرُ ، بَيْتُ الأَهْوَالِ وَالْبِلى ، وَغَايَتُكَ الْمَوْتُ ، يَا قَليلَ الْحَيَاءِ . إِسْمَعْ يَا ذَا الْغَفْلَةِ وَالتَّصْريفِ ، مِنْ ذَوِي الْوَعْظِ وَالتَّعْريفِ . جُعِلَ يَوْمُ الْحَشْرِ يَوْمُ الْعَرْضِ وَالسُّؤَالِ ، وَالْحَبَاءِ وَالنَّكَالِ . يَوْمٌ تُقْلَبُ فيهِ أَعْمَالُ الأَنَامِ ، وَتُحْصى فيهِ جَميعُ الآثَامِ . يَوْمٌ تَذُوبُ مِنَ النُّفُوسِ أَحْدَاقُ عُيُونِهَا ، وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ مَا في بُطُونِهَا ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ وَحَبيبِهَا ، وَيَحَارُ فِي تِلْكَ الأَهْوَالِ عَقْلُ لَبيبِهَا . إِذْ تَنَكَّرَتِ الأَرْضُ بَعْدَ حُسْنِ عِمَارَتِهَا ، وَتَبَدَّلَتْ بِالْخَلْقِ بَعْدَ أَنيقِ زَهْرَتِهَا ، وَأَخْرَجَتْ مِنْ مَعَادِنِ الْغَيْبِ أَثْقَالَهَا ، وَنَفَضَتْ إِلَى اللّهِ أَحْمَالَهَا . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الْجِدُّ ، إِذَا عَايَنُوا الْهَوْلَ الشَّديدَ فَاسْتَكَانُوا ، وَعُرِفَ الْمُجْرِمُونَ بِسيمَاهُمْ فَاسْتَبَانُوا . فَانْشَقَّتِ الْقُبُورُ بَعْدَ طُولِ انْطِبَاقِهَا ، وَاسْتَسْلَمَتِ النُّفُوسُ إِلَى اللّهِ بِأسْبَابِهَا ، وَكُشِفَ عَنِ الآخِرَةِ غِطَاؤُهَا ، وَظَهَرَ لِلْخَلْقِ أَنْبَاؤُهَا . فَدُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً ، وَمُدَّتْ لِأَمْرٍ يُرَادُ بِهَا مَدّاً مَدّاً . وَاشْتَدَّ الْمُثَارُونَ إِلَى اللّهِ شَدّاً شَدّاً . وَتَزَاحَفَتِ الْخَلَائِقُ إِلَى الْمَحْشَرِ زَحْفاً زَحْفاً . وَرُدَّ الْمُجْرِمُونَ عَلَى الأَعْقَابِ رَدّاً رَدّاً . وَجَدَّ الأَمْرُ ، وَيْحَكَ يَا إِنْسَانُ ، جَدّاً جَدّاً . وَقُرِّبُوا لِلْحِسَابِ فَرْداً فَرْداً . وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 1 ) ، يَسْأَلُهُمْ عَمّا عَمِلُوا حَرْفاً حَرْفاً .

--> ( 1 ) الفجر ، 21 .